فخر الدين الرازي
267
الأربعين في أصول الدين
وأما القسم الثالث - وهو أن يقال : ان عند اقدام الامام على المعاصي والفواحش لا يجوز منعه عنها البتة - فهو أيضا باطل ، لأن الدلائل الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عامة . فتتناول الامام وغيره . وأيضا : فعلى هذا الطريق يصير نصب الإمام سببا لتكثير الفواحش . ومعلوم : أن المقصود منه تقليلها . وهذا يفضى إلى التناقض . فثبت : أن الامام لو لم يكن واجب العصمة ، لأفضى إلى هذه الأقسام الباطلة ، فوجب القول بكونه باطلا . الشبهة الخامسة : التمسك بقوله تعالى لإبراهيم « قالَ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . قالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . قالَ : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » ( البقرة 124 ) دلت الآية على أن عهد الإمامة لا يصل إلى من كان ظالما . وكل من كان مذنبا ، فإنه ظالم . قال تعالى : « فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ » ( فاطر 32 ) فصارت الآية نصا في أن كل من كان مذنبا ، سواء كان ذنبه ظاهر أو باطنا . فإنه لا يكون إماما . وإذا كان كذلك ، ثبت أن الامام لا بدّ وأن يكون معصوما . والجواب عن الشبهة الأولى : انها مبنية على المسألة الأولى . وهي أن الخلق لما كان الخطأ عليهم جائزا ، احتاجوا إلى نصب الإمام . وقد تقدم الجواب عن كلامهم فيه . والجواب عن الشبهة الثانية : ان الشريعة انما تبقى محفوظة بنقل الناقل المعصوم ، لو كان ذلك الناقل المعصوم بحيث يرى ويمكن الوصول إليه والرجوع إلى قوله . فأما إذا لم يكن كذلك ، لم تصر الشريعة محفوظة بنقله . فسقطت هذه الشبهة . والجواب عن الشبهة الثالثة : انه لا نزاع في أنه يجب على كل واحد من آحاد الرعية أن يقتدى بنواب الامام من القضاة والعلماء والشهود ، مع أنهم بالاتفاق ليسوا معصومين . وكل ما يقولونه فيهم ، فهو جوابنا عن الامام الأعظم .